ابن كثير

487

السيرة النبوية

فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني ، فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن طلع عمر ، فلما رأيته قلت ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله . قال : فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد ؟ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، أيها الناس فإني قائل مقالة وقد قدر لي أن أقولها ، لا أدرى لعلها بين يدي أجلى ، فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب على . إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله . فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله عز وجل ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف . ألا وإنا قد كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترعبوا عن آبائكم . ألا وإن سول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تطروني كما أطرى عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله . وقد بلغني أن قائلا منكم يقول : لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول : إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت ، ألا وإنها كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبى بكر ، وإنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم .